تفسير سورة هود الآية 40
فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠
۞وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
[40] حتى إذا جاء أمرنا بإهلاكهم كما وَعدْنا نوحاً بذلك، ونبع الماء بقوة من التنور -وهو المكان الذي يخبز فيه- علامة على مجيء العذاب، قلنا لنوح: احمل في السفينة من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكراً وأنثى، واحمل فيها أهل بيتك، إلا مَن سبق عليهم القول ممن لم يؤمن بالله كابنه وامرأته، واحمل فيها من آمن معك من قومك، وما آمن معه إلا قليل مع طول المدة والمقام فيهم.
تفسير السعدي
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان
{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا } أي قدرنا بوقت نزول العذاب بهم { وَفَارَ التَّنُّورُ } أي: أنزل الله السماء بالماء بالمنهمر، وفجر الأرض كلها عيونا حتى التنانير التي هي محل النار في العادة، وأبعد ما يكون عن الماء، تفجرت فالتقى الماء على أمر، قد قدر.
{ قُلْنَا } لنوح: { احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: من كل صنف من أصناف المخلوقات، ذكر وأنثى، لتبقى مادة سائر الأجناس وأما بقية الأصناف الزائدة عن الزوجين، فلأن السفينة لا تطيق حملها { وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } ممن كان كافرا، كابنه الذي غرق.
{ وَمَنْ آمَنَ } { و } الحال أنه { مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ }
{ قُلْنَا } لنوح: { احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: من كل صنف من أصناف المخلوقات، ذكر وأنثى، لتبقى مادة سائر الأجناس وأما بقية الأصناف الزائدة عن الزوجين، فلأن السفينة لا تطيق حملها { وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } ممن كان كافرا، كابنه الذي غرق.
{ وَمَنْ آمَنَ } { و } الحال أنه { مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ }
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
هذه مواعدة من الله تعالى لنوح ، عليه السلام ، إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة ، والهتان الذي لا يقلع ولا يفتر ، بل هو كما قال تعالى : ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ) [ القمر : 11 - 14 ] .
وأما قوله : ( وفار التنور ) فعن ابن عباس : التنور : وجه الأرض ، أي : صارت الأرض عيونا تفور ، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار ، صارت تفور ماء ، وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف .
وعن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : التنور : فلق الصبح ، وتنوير الفجر ، وهو ضياؤه وإشراقه .
والأول أظهر .
وقال مجاهد والشعبي : كان هذا التنور بالكوفة ، وعن ابن عباس : عين بالهند . وعن قتادة : عين بالجزيرة ، يقال لها : عين الوردة .
وهذه أقوال غريبة .
فحينئذ أمر الله نوحا - عليه السلام - أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح - قيل : وغيرها من النباتات - اثنين . ذكرا وأنثى ، فقيل : كان أول من أدخل من الطيور الدرة ، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار ، فدخل إبليس متعلقا بذنبه ، فدخل بيده ، وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه ، فجعل يقول له نوح : مالك ؟ ويحك . ادخل . فينهض ولا يقدر ، فقال : ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة .
وذكر أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد ، حتى ألقيت عليه الحمى .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث ، حدثني الليث ، حدثني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم . عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين ، قال أصحابه : وكيف يطمئن - أو تطمئن - المواشي ومعها الأسد ؟ فسلط الله عليه الحمى ، فكانت أول حمى نزلت الأرض ، ثم شكوا الفأرة فقالوا : الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا . فأوحى الله إلى الأسد ، فعطس ، فخرجت الهرة منه ، فتخبأت الفأرة منها .
وقوله : ( وأهلك إلا من سبق عليه القول ) أي : " واحمل فيها أهلك ، وهم أهل بيته وقرابته " إلا من سبق عليه القول منهم ، ممن لم يؤمن بالله ، فكان منهم ابنه " يام " الذي انعزل وحده ، وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله .
وقوله : ( ومن آمن ) أي : من قومك ، ( وما آمن معه إلا قليل ) أي : نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، فعن ابن عباس : كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم . وعن كعب الأحبار : كانوا اثنين وسبعين نفسا . وقيل : كانوا عشرة . وقيل : إنما كانوا نوح وبنوه الثلاثة سام ، وحام ، ويافث ، وكنائنه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام . وقيل : بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة ، وهذا فيه نظر ، بل الظاهر أنها هلكت; لأنها كانت على دين قومها ، فأصابها ما أصابهم ، كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها ، والله أعلم وأحكم .
وأما قوله : ( وفار التنور ) فعن ابن عباس : التنور : وجه الأرض ، أي : صارت الأرض عيونا تفور ، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار ، صارت تفور ماء ، وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف .
وعن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : التنور : فلق الصبح ، وتنوير الفجر ، وهو ضياؤه وإشراقه .
والأول أظهر .
وقال مجاهد والشعبي : كان هذا التنور بالكوفة ، وعن ابن عباس : عين بالهند . وعن قتادة : عين بالجزيرة ، يقال لها : عين الوردة .
وهذه أقوال غريبة .
فحينئذ أمر الله نوحا - عليه السلام - أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح - قيل : وغيرها من النباتات - اثنين . ذكرا وأنثى ، فقيل : كان أول من أدخل من الطيور الدرة ، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار ، فدخل إبليس متعلقا بذنبه ، فدخل بيده ، وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه ، فجعل يقول له نوح : مالك ؟ ويحك . ادخل . فينهض ولا يقدر ، فقال : ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة .
وذكر أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد ، حتى ألقيت عليه الحمى .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث ، حدثني الليث ، حدثني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم . عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين ، قال أصحابه : وكيف يطمئن - أو تطمئن - المواشي ومعها الأسد ؟ فسلط الله عليه الحمى ، فكانت أول حمى نزلت الأرض ، ثم شكوا الفأرة فقالوا : الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا . فأوحى الله إلى الأسد ، فعطس ، فخرجت الهرة منه ، فتخبأت الفأرة منها .
وقوله : ( وأهلك إلا من سبق عليه القول ) أي : " واحمل فيها أهلك ، وهم أهل بيته وقرابته " إلا من سبق عليه القول منهم ، ممن لم يؤمن بالله ، فكان منهم ابنه " يام " الذي انعزل وحده ، وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله .
وقوله : ( ومن آمن ) أي : من قومك ، ( وما آمن معه إلا قليل ) أي : نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، فعن ابن عباس : كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم . وعن كعب الأحبار : كانوا اثنين وسبعين نفسا . وقيل : كانوا عشرة . وقيل : إنما كانوا نوح وبنوه الثلاثة سام ، وحام ، ويافث ، وكنائنه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام . وقيل : بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة ، وهذا فيه نظر ، بل الظاهر أنها هلكت; لأنها كانت على دين قومها ، فأصابها ما أصابهم ، كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها ، والله أعلم وأحكم .
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن
قوله تعالى : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور اختلف في التنور على أقوال سبعة :
الأول : أنه وجه الأرض ، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا ; قاله ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة ; وذلك أنه قيل له : إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك .
الثاني : أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه ; وكان تنورا من حجارة ; وكان لحواء حتى صار لنوح ; فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك . وأنبع الله الماء من التنور ، فعلمت به امرأته فقالت : يا نوح فار الماء من التنور ; فقال : جاء وعد ربي حقا . هذا قول الحسن ; وقاله مجاهد وعطية عن ابن عباس .
الثالث : أنه موضع اجتماع الماء في السفينة ; عن الحسن أيضا .
الرابع : أنه طلوع الفجر ، ونور الصبح ; من قولهم : نور الفجر تنويرا ; قاله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .
الخامس : أنه مسجد الكوفة ; قاله علي بن أبي طالب أيضا ; وقاله مجاهد . قال مجاهد : كان ناحية التنور بالكوفة . وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة ، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي كندة . وكان فوران الماء منه علما لنوح ، ودليلا على هلاك قومه . قال الشاعر وهو أمية :
فار تنورهم وجاش بماء صار فوق الجبال حتى علاها
السادس : أنه أعالي الأرض ، والمواضع المرتفعة منها ; قاله قتادة .
السابع : أنه العين التي بالجزيرة " عين الوردة " رواه عكرمة . وقال مقاتل : كان ذلك تنور آدم ، وإنما كان بالشام بموضع يقال له : " عين وردة " وقال ابن عباس أيضا : ( فار تنور آدم بالهند ) . قال النحاس : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ; لأن الله - عز وجل - أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض ; قال : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا . فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة . والفوران الغليان . والتنور اسم أعجمي عربته العرب ، وهو على بناء فعل ; لأن أصل بنائه تنر ، وليس في كلام العرب نون قبل راء . وقيل : معنى " فار التنور " التمثيل لحضور العذاب ; كقولهم : حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب . والوطيس التنور . ويقال : فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم ; قال شاعرهم :
تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفور
قوله تعالى : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين يعني ذكرا وأنثى ; لبقاء أصل النسل بعد الطوفان . وقرأ حفص من كل زوجين اثنين بتنوين كل أي من كل شيء زوجين . والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد : شيء معه آخر لا يستغني عنه . ويقال للاثنين : هما زوجان ، في كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه ; فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجا يقال : له زوجا نعل إذا كان له نعلان . وكذلك عنده زوجا حمام ، وعليه زوجا قيود ; قال الله تعالى : وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى . . ويقال للمرأة هي زوج الرجل ، وللرجل هو زوجها . وقد يقال للاثنين هما زوج ، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين ، والصنفين ، وكل ضرب يدعى زوجا ; قال الله تعالى : وأنبتت من كل زوج بهيج أي من كل لون وصنف . وقال الأعشى :
وكل زوج من الديباج يلبسه أبو قدامة محبو بذاك معا
أراد كل ضرب ولون . و " من كل زوجين " في موضع نصب ب " احمل " . اثنين تأكيد .
" وأهلك " أي واحمل أهلك .
إلا من سبق " من " في موضع نصب بالاستثناء .
" عليه القول " منهم أي بالهلاك ; وهو ابنه كنعان وامرأته واعلة كانا كافرين .
ومن آمن قال الضحاك وابن جريج : أي احمل من آمن بي ، أي من صدقك ; ف " من " في موضع نصب ب " احمل " .
وما آمن معه إلا قليل قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ( آمن من قومه ثمانون إنسانا ، منهم ثلاثة من بنيه ; سام وحام ويافث ، وثلاث كنائن له . ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل ) . وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس ; نوح وزوجته غير التي عوقبت ، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم ; وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب ; فأصاب حام امرأته في السفينة ، فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان . قال عطاء : ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم ، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيدا لولد سام ويافث . وقال الأعمش : كانوا سبعة ; نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين ; وأسقط امرأة نوح . وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم ; نوح وبنوه سام وحام ويافث ، وستة أناس ممن كان آمن به ، وأزواجهم جميعا . و " قليل " رفع ب " آمن " ، ولا يجوز نصبه على الاستثناء ; لأن الكلام قبله لم يتم ، إلا أن الفائدة في دخول إلا وما لأنك لو قلت : آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد آمن ; فإذا جئت بما وإلا ، أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم .
الأول : أنه وجه الأرض ، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا ; قاله ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة ; وذلك أنه قيل له : إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك .
الثاني : أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه ; وكان تنورا من حجارة ; وكان لحواء حتى صار لنوح ; فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك . وأنبع الله الماء من التنور ، فعلمت به امرأته فقالت : يا نوح فار الماء من التنور ; فقال : جاء وعد ربي حقا . هذا قول الحسن ; وقاله مجاهد وعطية عن ابن عباس .
الثالث : أنه موضع اجتماع الماء في السفينة ; عن الحسن أيضا .
الرابع : أنه طلوع الفجر ، ونور الصبح ; من قولهم : نور الفجر تنويرا ; قاله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .
الخامس : أنه مسجد الكوفة ; قاله علي بن أبي طالب أيضا ; وقاله مجاهد . قال مجاهد : كان ناحية التنور بالكوفة . وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة ، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي كندة . وكان فوران الماء منه علما لنوح ، ودليلا على هلاك قومه . قال الشاعر وهو أمية :
فار تنورهم وجاش بماء صار فوق الجبال حتى علاها
السادس : أنه أعالي الأرض ، والمواضع المرتفعة منها ; قاله قتادة .
السابع : أنه العين التي بالجزيرة " عين الوردة " رواه عكرمة . وقال مقاتل : كان ذلك تنور آدم ، وإنما كان بالشام بموضع يقال له : " عين وردة " وقال ابن عباس أيضا : ( فار تنور آدم بالهند ) . قال النحاس : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ; لأن الله - عز وجل - أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض ; قال : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا . فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة . والفوران الغليان . والتنور اسم أعجمي عربته العرب ، وهو على بناء فعل ; لأن أصل بنائه تنر ، وليس في كلام العرب نون قبل راء . وقيل : معنى " فار التنور " التمثيل لحضور العذاب ; كقولهم : حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب . والوطيس التنور . ويقال : فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم ; قال شاعرهم :
تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفور
قوله تعالى : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين يعني ذكرا وأنثى ; لبقاء أصل النسل بعد الطوفان . وقرأ حفص من كل زوجين اثنين بتنوين كل أي من كل شيء زوجين . والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد : شيء معه آخر لا يستغني عنه . ويقال للاثنين : هما زوجان ، في كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه ; فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجا يقال : له زوجا نعل إذا كان له نعلان . وكذلك عنده زوجا حمام ، وعليه زوجا قيود ; قال الله تعالى : وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى . . ويقال للمرأة هي زوج الرجل ، وللرجل هو زوجها . وقد يقال للاثنين هما زوج ، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين ، والصنفين ، وكل ضرب يدعى زوجا ; قال الله تعالى : وأنبتت من كل زوج بهيج أي من كل لون وصنف . وقال الأعشى :
وكل زوج من الديباج يلبسه أبو قدامة محبو بذاك معا
أراد كل ضرب ولون . و " من كل زوجين " في موضع نصب ب " احمل " . اثنين تأكيد .
" وأهلك " أي واحمل أهلك .
إلا من سبق " من " في موضع نصب بالاستثناء .
" عليه القول " منهم أي بالهلاك ; وهو ابنه كنعان وامرأته واعلة كانا كافرين .
ومن آمن قال الضحاك وابن جريج : أي احمل من آمن بي ، أي من صدقك ; ف " من " في موضع نصب ب " احمل " .
وما آمن معه إلا قليل قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ( آمن من قومه ثمانون إنسانا ، منهم ثلاثة من بنيه ; سام وحام ويافث ، وثلاث كنائن له . ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل ) . وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس ; نوح وزوجته غير التي عوقبت ، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم ; وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب ; فأصاب حام امرأته في السفينة ، فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان . قال عطاء : ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم ، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيدا لولد سام ويافث . وقال الأعمش : كانوا سبعة ; نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين ; وأسقط امرأة نوح . وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم ; نوح وبنوه سام وحام ويافث ، وستة أناس ممن كان آمن به ، وأزواجهم جميعا . و " قليل " رفع ب " آمن " ، ولا يجوز نصبه على الاستثناء ; لأن الكلام قبله لم يتم ، إلا أن الفائدة في دخول إلا وما لأنك لو قلت : آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد آمن ; فإذا جئت بما وإلا ، أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم .